الاتصال | من نحن
ANHA

بعد 4 سنوات على تأسيسها، أثمر عنها نظام ديمقراطي لسوريا المستقبل

آهين بركات – جهاد روج

مركز الأخبار- في الوقت الذي ما يزال فيه الصراع على السلطة والنفوذ مستمراً في غالبية الجغرافية السورية، ولد في روج آفا وشمال سوريا، مشروع ديمقراطي اجتماعي حافظ على السلم الأهلي والعيش المشترك، وفق مبادئ الأمة الديمقراطية، إنه مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، وكانت ثمرته مشروع الفيدرالية الديمقراطية الذي يمكن تطبيقه في بقية المناطق السورية ليكون النموذج الأمثل والأفضل للحفاظ على ما تبقى من سوريا، وإعادة لم شمل شعبها الذي تشرد في جميع أصقاع العالم، ويضع حداً للمقتلة السورية التي تم تنفيذها وماتزال بأيادي خارجية، هدفهم الأول والأخير بسط النفوذ والسيطرة في بلدٍ يحق له أن يكون نموذجاً للعيش المشترك وأخوة الشعوب في الشرق الأوسط.

بعد فشل الثورة السورية في تحقيق الأهداف التي انطلقت من أجلها، وتحريف مسارها من ثورة إلى أزمة، وتدخل القوى الإقليمية والعالمية فيها لتحقيق مصالح ونفوذ، استطاعت ثورة روج آفا أن تخلق حياة جديدة بإيجاد بديل مناسب للنظام السلطوي الاستبدادي في سوريا، وهو بناء مشروع ديمقراطي يخدم مصلحة كافة المكونات المتعايشة مع بعضه البعض، ويهدف إلى وضع حل سلمي للأزمة السورية ألا وهو الإدارة الذاتية الديمقراطية، وهذا ما تميزت به ثورة شعب روج آفا عن غيره من أطراف المعارضة التي لم تتمكن منذ اندلاع الثورة في سوريا قراءة التطورات في المنطقة بشكلٍ صحيح، وبالتالي أصبحت وسيلةً لخلق حربٍ طائفية ومذهبية كما أراد لها النظام.

وفي الوقت الذي وصلت فيه الثورة السورية إلى مستوى متأزم، ظهرت إرادة الشعب في روج آفا والشمال السوري في ترسيخ أسس الأمة الديمقراطية والعيش المشترك وأخوة الشعوب، وذلك بإعلانها الإدارة الذاتية الديمقراطية ليكون الحل الأمثل للأزمة ويلعب دوره في تحديد مصير ومستقبل سوريا ديمقراطية تعددية فيدرالية لامركزية.

هيكلية نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية

تم الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في المقاطعات الثلاث” الجزيرة، كوباني وعفرين” وذلك في كانون الثاني/ يناير 2014 بتواريخ متقاربة، وفيما بعد في تل أبيض ومنبج وبقية المناطق التي تم تحريرها من مرتزقة داعش.

وتتألف الإدارة الذاتية في كل مقاطعة من المجلسين التشريعي والتنفيذي والقضائي أو المحكمة العليا، ويمثل فيه جميع المكونات، الأديان، الثقافات، المرأة والشبيبة.

وكان الإعلان عن الإدارات الذاتية بمثابة خطوة بارزة ومشهودة وانتصار كبير تحقق في مناطق شمال سوريا، والعمل على العيش في ظل حياة حرة كريمة مبنية على أساس الحرية والمساواة واحترام اللغات والثقافات والأديان، وهذا ما جعل من الإدارة الذاتية النواة الأولى لولادة مشروع الفيدرالية الديمقراطية كمشروع الحل الأمثل للأزمة العصيبة التي تمر بها سوريا.

واستطاعت الإدارة الذاتية الديمقراطية تدبر جميع الخدمات وإدارة مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والثقافية، والحفاظ على الأمن والاستقرار فيها بالمقارنة مع المناطق السورية الأخرى التي تحولت إلى ساحات قتل وتهجير نتيجة اعتماد أطراف الصراع على السلطة.

وساهمت الإدارة الذاتية في ترسيخ فكر الاعتماد على الذات، وبناء قاعدة خدمية عبر هيئاتها وبشكل خاص هيئات الإدارة المحلية والبلديات، الطاقة والزراعة.

وباعتبار أن الكومين يعتبر أصغر خلية إدارية وأحد أهم ركائز الإدارة الذاتية، لذلك يعتبر الكومين والمجالس أساس النظام القائم في الإدارة الذاتية وذلك باعتماد الشعب على تنظيم حياته المجتمعية الديمقراطية والحرة بناءً على تشكيل الكومونات والمجالس.

مناطق الإدارة الذاتية الملاذ الآمن للنازحين من سوريا والعراق

كما لا يخفى على أحد الخدمات والتسهيلات التي قدمتها الإدارة الذاتية والمؤسسات التابعة لها حسب إمكانياتها المتوفرة للنازحين بعدما أصبح الشمال السوري مكاناً آمناً للنازحين من كافة أبناء المدن السورية الهاربين من بطش مرتزقة داعش وهول مرتزقة الاحتلال التركي وقوات النظام، وتم إنشاء مخيمات في المقاطعات الثلاثة من روج آفا وشمال سوريا، لاستقبال النازحين من كافة المناطق السورية بالإضافة إلى النازحين من العراق بعد سيطرة مرتزقة داعش على مساحات واسعة من العراق، وتضم المخيمات في مقاطعة الجزيرة على أعداد كبيرة من النازحين العراقيين.

مؤسسات الدفاع المشروع التي تأسست ضمن نظام الإدارة الذاتية أنقذت سوريا والعالم من الإرهاب

بالإضافة إلى كل الانجازات الاجتماعية والسياسية التي تحققت في ظل نظام الإدارة الذاتية، حققت المؤسسات العسكرية التابعة للإدارة الذاتية انتصارات كبيرة في سوريا على مرتزقة داعش التي شكلت خطراً حقيقياً على سوريا والشرق الأوسط والعالم.

وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة والتنظيمات العسكرية الأخرى التابعة للإدارة الذاتية التي شكلت فيما بعد قوات سوريا الديمقراطية بالتشارك مع قوات من المكونات السورية الأخرى حققت النصر الكبير على مرتزقة داعش المصنفة في العالم كتنظيم إرهابي، واستطاعت أن تضع حداً لحلم أو كابوس الدولة الإسلامية المزعومة التي نفذت العديد من العمليات الإرهابية في العالم وخاصة الدول الأوروبية.

بالإضافة إلى القوات العسكرية الآنفة الذكر شكلت الهيئة الداخلية في الإدارة الذاتية قوات الأمن الداخلي (الأسايش) التي ساهمت في الحفاظ على الأمن والاستقرار داخل المدن والتجمعات الآهلة بالسكان، وفي ذات الوقت شاركت القوات العسكرية (قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة) في التصدي لمرتزقة داعش. ناهيك عن قوات الحماية الاجتماعية والتشكيلات العسكرية الخاصة بالمرأة.

استطاعت هذه القوات ووفق قوانين حق الدفاع المشروع التصدي لمرتزقة داعش وإلحاق الهزيمة بهم وطردهم من عاصمتهم المزعومة الرقة، وما زالت تحارب المرتزقة في ريف دير الزور لتحرير الأهالي من بطش داعش، لتنقذ بذلك سوريا والشرق الأوسط والعالم من الإرهاب.

المرأة رائدة مشروع الإدارة الذاتية

لن نبالغ إذا قلنا أن للمرأة في شمال سوريا والمرأة الكردية الدور الأبرز في تأسيس ونجاح وتطوير مشروع الإدارة الذاتية، حيث لم تكتفي بالمشاركة في الثورة وعملية البناء والتطوير مثلها مثل الرجل، ولم تقبل بأن تكون فقط نصف المجتمع.

حققت المرأة في روج آفا وشمال سوريا انجازات كبيرة ضمن نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث كانت النساء من مؤسسات مشروع الإدارة الذاتية وشاركن في جميع مؤسسات وهيئات الإدارة الذاتية، واستطاعت المرأة في روج آفا ولأول مرة في سوريا والشرق الأوسط أن تشارك وفي أعلى المستويات بمشروع الإدارة الذاتية بجميع مؤسساتها، وكانت المرأة هي الرئيسة المشتركة لجميع المؤسسات بدءاً من الكومينات والمجالس المحلية مروراً بالمؤسسات الخدمية والسياسية والعسكرية وصولاً إلى الحاكمية المشتركة.

كما أن المرأة في روج آفا وشمال سوريا استطاعت تنظيم النساء في المنطقة، وتأسيس المنظمات والمؤسسات الخاصة بالمرأة والتي استطاعت المرأة من خلالها التعرف على ذاتها وشخصيتها وقواها الفكرية والتنظيمية، وبات لها دور كبير في تدريب وتعليم النساء في شمال سوريا.

وأصبح للمرأة نظامها الاقتصادي الخاص بها والقوات العسكرية الخاصة بالمرأة، كما استطاعت أن تكسر القيود المفروضة على المرأة في مجتمع يعرف بأنه محافظ والمرأة مضطهدة إلى درجات كبيرة بحكم العادات والتقاليد البالية، حيث منعت المرأة في روج آفا تعدد الزوجات، وزواج القاصرات، واستطاعت سن قوانين خاصة بالمرأة تحميها من الظلم الممارس عليها من قبل الذهنية الذكورية.

انفتاح الإدارة الذاتية الديمقراطية على العالم

 

الانجازات والتطورات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية التي حققتها الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا وشمال سوريا على أرض الواقع في دولة تعيش حرباً ضروساً من جميع النواحي، والتعايش المشترك الذي ولد بين مكونات المنطقة الذي حاول النظام السوري وتركيا وأطراف المعارضة خلق حرب طائفية بينها بالإضافة إلى إثبات نظام الإدارة الذاتية نفسه كبديل لنظام القمع والاستبداد الذي كان قائماً في سوريا، لاقت ارتياحاً لدى الأوساط العالمية واستطاعت الإدارة الذاتية جذب أنظار العالم للاطلاع على مشروع الإدارة الذاتية في روج آفا وشمال سوريا. وعليه ذاع صيت الإدارة الذاتية في العالم، وافتتحت الإدارة ممثليات لها في الخارج، الأولى كانت في إقليم جنوب كردستان “باشور”، وبعدها في روسيا، فرنسا، ألمانيا، هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ. كما أجرت العديد من اللقاءات الدبلوماسية مع المسؤولين في العديد من الدول، بالإضافة إلى زيارة العديد من الوفود العالمية للإدارة لمشاهدة تجربتها عن كثب.

الإدارة الذاتية الديمقراطية النواة الأولى لولادة الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا

التطورات والانجازات التي حققتها الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا وشمال سوريا مهدت الطريق أمام ولادة مشروع لا يقتصر على روج آفا وشمال سوريا فقط، وتطورت الإدارة الذاتية لينبثق عنها مشروع الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا ليصبح المشروع الأمثل لحل الأزمة السورية.

وتستند الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا على الإدارات الذاتية للمقاطعات في روج آفا وشمال سوريا بحسب ما جاء في المادة رقم /8/ من العقد الاجتماعي للفدرالية الديمقراطية لروج آفا – شمال سوريا، وجاء فيها “تتكون من أقاليم مبنية على الإدارات الذاتية الديمقراطية المعتمدة على التنظيمات الكونفدرالية الديمقراطية للمجموعات العقائدية والإثنية والنسائية والثقافية، ولجميع الشرائح الاجتماعية”.

كما إن البنية الإدارية لنظام الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا يعتبر الكومين تنظيم المجتمع وصولاً إلى مؤتمر الشعوب الديمقراطية (برلمان شمال سوريا) وهو أعلى سلطة تشريعية في النظام الفيدرالي، حيث يتم تنظيم المجتمع عبر الكومونات والتعاونيات والاتحادات والمجالس، ويترسخ النظام الديمقراطي للمجتمع اعتماداً على هذه المؤسسات.

كما أن كل عدد من المقاطعات تشكل إقليماً والإقليم في نظام الفدرالية الديمقراطية لروج آفا – شمال سوريا هو “وحدة الإدارة الذاتية المتكونة من مقاطعة أو أكثر أو من عدة مناطق تجمعها خصائص متشابهة تاريخياً وديموغرافياً واقتصادياً ومناخياً أو ثقافياً، وتتميز بالتكامل والتواصل الجغرافي”.

وتقوم أقاليم الإدارة الذاتية الديمقراطية بتنظيم نفسها وإدارة شؤونها وفق أسس الإدارة الذاتية الديمقراطية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمن الداخلي والصحة والتعليم والدفاع والثقافة.

فمثلا النظام الاقتصادي في الأقاليم الفيدرالية يعتمد على تحقيق الاكتفاء الذاتي والتوزيع العادل في الثروات الباطنية والسطحية ضمن حدود الإقليم, كما يصون حق الدفاع المشروع لكل إقليم.

الفيدرالية الديمقراطية التي تستند إلى الإدارات الذاتية هي الحل الأمثل للأزمة السورية

بعد مرور 7 سنوات على الأزمة السورية وانعدام مشاريع الحل لدى القوى المتصارعة على السلطة (المعارضة والنظام) والقوى التي تدعمها لبسط السيطرة، واستمرار نزيف الدم السوري دون الوصول إلى حل للصراع، ولد في شمال سوريا نظام اجتماعي ديمقراطي علماني سياسي، حافظ على السلم الأهلي والاجتماعي واستطاع أن يؤلف بين المكونات المختلفة ليعيشوا معاً بأمان وسلام وفق نظام الأمة الديمقراطية، في الوقت الذي كانت الطوائف والأثنيات الأخرى تقتل بعضها البعض على الهوية في المناطق الأخرة من سوريا.

ولد مشروع الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا على إرث وميراث مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، ليتحول من مشروع محلي خاص بمنطقة معينة إلى مشروع سوري جامع يضمن حقوق جميع مكونات الشعب السوري وينقذ البلاد من دوامة الحرب التي أثقلت كاهل الشعب السوري وبجميع مكوناته.

ANHA