الاتصال | من نحن
ANHA

كاتبة كرواتية: الهجوم على عفرين هو هجوم على ثورة المرأة 

تحليل

كاترينا ايفيلجا

مركز الأخبار– قالت الكاتبة الكرواتية كاترينا ايفيلجا في مقالة تحليلية عن الهجمات التركية على عفرين وتسمية عدوانه هذا باسم “غصن الزيتون:” غصن شجرة الزيتون كان يمثل رمزاً للسلام في معظم الثقافات في العالم. ومع ذلك، في ظل نظام  رجب طيب أردوغان يبدو أن هذا الرمز المعروف للصداقة قد اكتسب دلالات الشر والسواد أكثر في وقته الآن”.

وقالت كاترينا في متن التحليل:” خلال الأيام الأخيرة شنت تركيا هجمات عسكرية كبيرة سميت بشكل مثير للسخرية “غصن الزيتون” وبدأت بغزو وعدوان مفتوح على الشمال السوري، حيث باشرت بالهجوم من القرى المجاورة لعفرين في الجانب الآخر من الحدود، لتشن ضربات جوية وأرضية وتقتل العديد من الضحايا  رجالاً ونساء وأطفالاً على حد سواء.

فمن ناحية، يمكن القول إن الهجوم  كان “مستفزاً” لإعلان الولايات المتحدة الأخير حول إنشاء قوة حدودية تتألف من حوالي 30 ألف مقاتل من قوات الدفاع الذاتي التي تفسرها تركيا على أنها تهديد مباشر للسلامة الوطنية الخاصة بها (والتي يمكن أن تكون بالكاد مبرراً لأن يكون إنشاء قوة حدودية أساساً بمثابة تدبير وقائي مستوحى من ضرورة أن تكون قادرة على اعتراض أي محاولات محتملة في المستقبل لهجمات إرهابية من المحتمل أن تقوم بها بقايا تنظيم داعش، وأنها ستكون في حد ذاتها دفاعية بطبيعتها ). من ناحية أخرى، من الواضح تماماً أن الهجوم يفتقر إلى أي شرعية قانونية حقيقية، لدرجة أنه يمكن أن ينظر إليه على أنه عمل إرهابي في حد ذاته، و هو مجرد نتاج لمشاعر كره شوفينية قوية ضد الشعب الكردي وعداء النظام التركي تجاه حزب العمال الكردستاني وكذلك وحدات حماية الشعب.

والجدير بالذكر أن التدخل العسكري والعدواني المذكور آنفا قد أدى إلى مقتل وإصابة العديد من المدنيين من النازحين السوريين المقيمين في كانتون عفرين، في غضون أيام قليلة، وهذا يدل على أن المعركة التي شنت بنجاح ضد مرتزقة داعش، فيما قبل، يبدو أنها لم تمثل سوى بداية النضال من أجل مجتمع ديمقراطي متأصل في فكرة تحرير المرأة.

ما العلاقة بين عفرين وتحرير المرأة؟ إن طبيعة العلاقة بين الاثنين قد لا تكون واضحة على الفور، فما هو في الخفاء يجعلها أقل وجوداً. في مثل هذا السياق، فإن الوضع في عفرين يتجاوز مجرد لعبة السلطة السياسية ويصبح رمزياً أكثر بكثير مما كان يعتقد في البداية.

منذ بداية الثورة في روج آفا لعبت عفرين دوراً حاسماً في سياق تنفيذ الإطار الأيديولوجي الذي بنيت عليه الثورة والذي، إلى حد ما لم يسبق له مثيل في العالم، يبرز أهمية تحرير المرأة باعتبارها أساس مجتمع ديمقراطي حر حقاً، الذي كان بالفعل في عام 2013، أي بعد عام واحد فقط من بدء الثورة،  مشاركة المرأة في إدارة المدينة تجاوزت 65 %في المائة. في حين أن الوضع فيما يتعلق بوضع المرأة الآن، بعد 5 سنوات قصيرة فقط، تحسن بشكل كبير في جميع أنحاء أقاليم روجافا.

ما يجعل مكانة عفرين “خاصة” ضمن المنطقة هو حقيقة أنها واحدة من المناطق القليلة جداً التي تمكنت من البقاء في الغالب آمنة وملاذاً للكثيرين محتفظة بالسلام والأمن بعيداً عن  الدمار الذي أحدثه داعش. وقد أتاحت عفرين المجال لتطوير الأفكار المتعلقة بتحرير المرأة أكثر بكثير. ويمكن القول إن النساء في عفرين تمكنَّ طوال السنوات الأخيرة من إثبات أنفسهن على مستويات “مدنية” مختلفة مثل الثقافة أو العمل أو أي مهام يومية عادية لهذه المسألة عن المناطق التي كانت أكثر تأثراً بالحرب، حيث كانت الغاية هي أن تبقي على المرأة في سياق سياسي وعسكري بحزم لغرض وحيد هو البقاء والدفاع ضد قمع النظام الذكوري المتمحور في داعش.

أحد المبادئ الرئيسية التي بنيت عليها الثورة في روجافا هو مفهوم الحرية الكاملة والمطابقة والمساواة كشرط مسبق لخلق مجتمع عادل خال من جميع أشكال القمع – وهو نقيض الأيديولوجية التي تفرضها الدولة الإسلامية، إن النساء والرجال من روجافا قاتلوا بقوة وحماسة لسنوات، وفي هذا السياق، يجب معالجة أن المرأة يمكن أن يقال إنها تمثل أكثر الجماعات المضطهدة، ليس فقط في سياق داعش، ولكن في الغالبية العظمى من المجتمعات (بما أن العقلية الأبوية لا تزال تبدو سائدة في جميع أنحاء العالم ) وبالتالي فهي محورية لإنشاء نظام مفيد للجميع.

فحرية البعض، أو فقط من هم أكثر تميزاً، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تشكل حرية حقيقية في شكلها المقصود. وهذا هو السبب في أن التغيير الذي يحدث من “الهرم” ليس كافياً، وهناك حاجة إلى إصلاح من “الأسفل إلى الأعلى” للمجتمع. لذلك، عندما تجد المرأة، باعتبارها الأكثر اضطهاداً من كل مجموعة، فالعثور على مكانها على قدم المساواة مع الآخرين في طريقها نحو الحرية يمكن لجميع الناس أن يكونوا أحراراً عندها.

وكما ذكرنا في السابق، يمكن القول إن المساواة لا يمكن اعتبارها حقيقة قائمة إلا إذا كانت تتجلى في الجميع، وليس فقط بعض الجماعات وأجزاء الحياة، وأهمية عفرين كمنطقة لا تسمح بإنكار التغيير الحاصل بتصور المرأة في الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية. عفرين في الواقع، تمثل في حد ذاتها معقلاً بارزاً من بناء إيديولوجي  كبير مبني على أساس تحرير المرأة ويسمح لركائز الحرية والمساواة أن تكون طويلة الأمد ومستقرة حتى الآن.

وهذا هو السبب في أن الهجوم التركي على المدينة المذكورة يمثل هجوماً مباشراً على المفهوم المزدهر لتحرير المرأة. إن مهاجمة إحدى المناطق النادرة التي لم تتأثر سابقاً بإرهاب داعش، حيث لوحظ أن تقدماً كبيراً فيما يتعلق بحالة حقوق المرأة في الممارسة العملية لا يمثل سوى محاولة واضحة لتدمير الوجود الحر في مهدها، التي زرعتها تضحية العديد من النساء الشجعان اللواتي وقفن في وجه داعش كشكل نهائي من أشكال نظام القمع السلطوي الأبوي وقدمن حياتهن تضحية من أجل إظهار عالم مختلف عما هو الآن وممكن في حال استردت المرأة مكانتها داخل المجتمع.

وكما ذكر مكتب المرأة الكردية للسلام فيما يتعلق بالغزو التركي على عفرين ” الهجوم على عفرين هو قبل كل شيء هجوم على ثورة المرأة وتعمل تركيا مع الأنظمة الأبوية اللاإنسانية على تهديد عالمي على المرأة والسلام والديمقراطية. ففي روجافا يوجد مثال للنساء اللاتي لا يخضعن للنظام الأبوي ولحربه وهيمنته، أو الاستسلام لمصيرهن بل يملكن القوة والشجاعة للرد ولبناء مجتمع حر. روجافا مثال جلي ومن مظاهر تحرر المرأة في المجتمع التي تناضل في الشرق الأوسط – خارج الدولة والقومية والرأسمالية على الرغم من الحروب التي تشن ضد الشعب”.

إن ما سبق ذكره ينبغي أن يكون سبباً كافياً للعالم للرد والإدانة والوقوف في وجه هذه الحرب والتنديد بها لدرء المزيد من تدمير عفرين على يد النظام التركي. إن تدمير المدينة وقتل شعبها يرسل رسالة وحشية أخرى مفادها “الرغبة في تدمير الفكرة وراء أحد أكبر التطورات في سياق تحرير المرأة في التاريخ الحديث وإبادة الحرية نفسها”. عفرين ليست مجرد مدينة. عفرين هي مهد النساء. عفرين هي الحرية. عفرين هي الإنسانية.

والجدير بالذكر أن كاترينا ايفيلجا هي  كاتبة صحفية كرواتية تكتب عن القضايا السياسية وحقوق الإنسان ومهتمة بثورة المرأة في روجافا وتكتب عنها.

ترجمة للعربية: آلان روج