الاتصال | من نحن
ANHA

انتفاضة 12 آذار مهدت لتأسيس مشروع دمقرطة سوريا

ملف

جهاد روج

مركز الأخبار – يصادف اليوم الذكرى السنوية الرابعة عشرة لانتفاضة 12 آذار في روج آفا، الانتفاضة الشعبية التي انطلقت بمبادرة شعبية ضد المؤامرة التي حاكها النظام السوري بدعم تركي مبطن للنيل من الشعب الكردي في سوريا، وتوجيه ضربة له، وضرب مكونات الشعب السوري بعضها ببعض، لكن المؤامرة فشلت وتمكن الشعب الكردي من إعادة تنظيم صفوفه وكسب الثقة بقوته التنظيمية والفكرية حتى استثمر هذه القوة في ثورة 19 تموز عام 2012 لتكون ثورة روج آفا هي الثورة الحقيقية في سوريا التي استندت على ميراث انتفاضة 12 آذار.

في 12 آذار عام 2004 حاول النظام السوري توجيه ضربة للشعب الكردي في سوريا بعد اتفاق مسبق مع تركيا، وتم رسم المخطط واختيار مباراة كرة القدم بين نادي الجهاد الرياضي في قامشلو ونادي الفتوة بدير الزور، المباراة التي أقيمت في أرضية ملعب قامشلو حيث هاجم جمهور نادي الفتوة بدعم من النظام السوري جماهير ومشجعي نادي الجهاد، أسفرت عن استشهاد عدد من المدنيين الكرد لحياتهم والتي كانت الشرارة الأولى لانتفاضة 12 آذار التاريخية.

لماذا نقول أن تركيا كانت داعمة لمخطط استهداف الشعب الكردي في 12 آذار 2004؟

عام 1999 تم اعتقال قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان، وكانت الغالبية العظمى من القاعدة الجماهيرية الكردية في روج آفا وسوريا من مناصري الحركة الكردية بقيادة أوجلان، بعد اعتقال أوجلان ظنت تركيا أنها وجهت الضربة القاضية لحركة التحرر الكردستانية في تركيا إلا أن القاعدة الجماهيرية الكبيرة للحركة في سوريا ظلت هاجساً لتركيا.

وكانت تركيا قبل ذلك اتفقت مع النظام السوري في اتفاقية أضنة عام 1998 على ضرب الشعب الكردي في سوريا، لذا وبعد اتفاقية أضنة مارس النظام السوري سياسة قذرة ضد الشعب الكردي بهدف إنكار الهوية الكردية بحسب ما تم الاتفاق عليه في الاتفاقية المذكورة.

اتفاقية أضنة ضد الشعب الكردي في سوريا

سياسات الإنكار والتضييق والتجويع بهدف التجهير من المناطق الكردية مارسها النظام بشكل مكثف بعد اتفاقية أضنة، فتم تهميش المناطق الكردية في روج آفا وسوريا من النواحي الخدمية والاقتصادية بهدف تجويع الشعب ودفعه للهجرة إلى المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، إضافة إلى منع ومحاربة جميع أشكال الثقافة الكردية حيث منعت تسمية الأولاد والمحال التجارية بأسماء كردية كما بدأت بعرقلة الأغاني الكردية في الحفلات والأعراس وصولاً إلى منع الاحتفال بعيد نوروز الوطني.

وبالفعل ونتيجة سياسات حزب البعث الحاكم في سوريا هاجر المئات بل الآلاف من أبناء الشعب الكردي إلى دمشق وحلب والمدن السورية الكبرى بهدف تأمين لقمة العيش بعد سياسات التجويع التي مارسها النظام على المناطق الكردية.

ظنوا أنها الضربة القاضية للشعب الكردي، فكانت الانتفاضة

وكانت المؤامرة الكبرى والضربة القاضية التي أعد لها النظام للشعب الكردي بالتعاون مع تركيا هي مؤامرة الملعب وضرب من تبقى في المناطق الكردية من خلال مباراة كرة القدم بين نادي الجهاد الكردي ونادي الفتوة.

اتفق النظام السوري مع مجموعات من العنصريين والشوفينيين على ضرب جماهير نادي الجهاد، وبحسب شهود عيان وقتها فقد أدخل النظام أكثر من ألفي شخص على متن حافلات نقل كبيرة من دير الزور إلى ملعب القامشلي دون تفتيش بعد أن كان النظام قد سلحهم بالحجارة والعصي والسكاكين ودخلوا إلى ملعب قامشلو تحت أعين الأجهزة الأمنية والشرطة، في المقابل تم تفتيش جمهور نادي الجهاد ولم يسمح لهم إدخال أي أداة أو مادة صلبة إلى الملعب.

وما أن دخل جمهور نادي الفتوة إلى الملعب حتى أطلقوا الشعارات المعادية للشعب الكردي وتوجيه الشتائم لقادة الكرد، ثم ضربهم بالحجارة التي جلبوها إلى الملعب مخبأة في حافظات المياه. وبعد ذلك حدثت اشتباكات ومناوشات بين جماهير نادي الجهاد والمجموعات التي أدخلها النظام إلى الملعب تحت مسمى جماهير نادي الفتوة. وتدخلت قوات النظام فوراً إلى جانب المجموعات المسلحة بالحجارة والعصي والسكاكين وتم ضرب جماهير نادي الجهاد وفقد عدد من الجماهير حياتهم.

وبعد أن انتشر خبر ضرب الكرد في الملعب في مدينة قامشلو، توجه المئات من الشبان الكرد إلى الملعب للتصدي للمجموعات التابعة للنظام السوري ورغم منع قوات النظام دخول الشبان إلى الملعب إلا أنهم تمكنوا من الدخول فوق أسوار الملعب وكذلك من الأبواب بعد ضرب الحراس.

توافد الشبان الكرد إلى الملعب أدى إلى حدوث نوع من التكافؤ في القوة بين الطرفين ما دفع بقوات النظام إلى التدخل بشكل مباشر إلى جانب المجموعات التي جاءت بحجة تشجيع نادي الفتوة، وبعد أن أصدر محافظ الحسكة وقتها سليم كبول أمر إطلاق النار على الكرد تدخلت قوات النظام وأطلقت الرصاص الحي على الجماهير الكردية وسقط عدد من الشهداء في الملعب وفيما بعد تمكنت قوات النظام من السيطرة على الوضع وإخراج المجموعات الشوفينية القادمة من دير الزور لضرب الكرد.

تشييع الشهداء والانتفاضة الجماهيرية الكبرى

وفي يوم 13آذار 2004، نزل أكثر من 200 ألف كردي لشوارع قامشلو لتشييع الشهداء الذين سقطوا برصاص قوات الأمن في الملعب، وكانت جثامين الشهداء مغطاة بالأعلام والرموز الكردية وهو ما حاول النظام منعه، لكن المشيعين الغاضبين رفضوا نزع الأعلام الكردية عن جثامين الشهداء ما دفع بقوات الأمن إلى ارتكاب الخطأ الأكبر الذي ولد انفجار الانتفاضة، حيث أطلقت قوات الأمن الرصاص على المشيعين وسقط عدد آخر من الشهداء في مراسم التشييع، وتحولت مراسم التشييع إلى انتفاضة جماهيرية عارمة بدأت شرارتها في قامشلو وامتدت إلى المدن والبلدات الكردية حتى وصلت إلى العاصمة دمشق وحلب.

مئات الآلاف من المتظاهرين الغاضبين نزلوا إلى الشوارع، وبدأ المتظاهرون باستهداف مقرات حزب البعث والمراكز الأمنية والشرطة والمخابرات وإحراقها وتم تدمير تماثيل الرئيس السابق للنظام السوري حافظ الأسد ونجله بشار الأسد، وهربت قوات النظام من بعض المدن بعد غضب المتظاهرين.

وبعد ذلك استقدمت قوات النظام الدبابات والمدافع ودخلت المدن الكردية وبدأت بحملة اعتقالات عامة استهدفت عامة الشعب بما فيهم الرجال والنساء كما أن عدد من المعتقلين فقدوا حياتهم تحت وطأة التعذيب الوحشي الذي مارسته قوات النظام على المعتقلين.

الانتفاضة التي انطلقت في قامشلو وصل صداها إلى شمال كردستان (باكور) وشرق كردستان (روجهلات) وإقليم جنوب كردستان (باشور)، وكذلك الجالية الكردية في أوروبا وأمريكا، حيث خرجت مظاهرات في المدن الكردية بأجزاء كردستان الأخرى وكذلك أوروبا للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين على خلفية الانتفاضة.

وفيما بعد تم إطلاق سراح بعض المعتقلين بعفو رئاسي وقتها، بينما بقي بعضهم في السجن إلى فترات لاحقة، وبعضهم ما زال مصيره مجهولاً ومنهم نازلية حسن كجل الناشطة في تنظيم اتحاد ستار (مؤتمر ستار حالياً)، وكانت من نتائج انتفاضة قامشلو اعتراف الرئيس السوري ولأول مرة بوجود الكرد في سوريا وقال عبر قناة الجزيرة القطرية أن الشعب الكردي جزء من النسيج السوري ووعد بمنح الجنسية السورية للمجردين منها لكن وعوده لم تتحقق حتى عام 2011.

وكانت قناة روج تي في/ROJ.TV (أغلقت فيما بعد)هي القناة الكردية الوحيدة التي نشرت أخبار الانتفاضة وممارسات النظام البعثي بحق المنتفضين الكرد، وكسبت ثقة الشارع الكردي.

لكن المضحك المبكي أثناء اندلاع الانتفاضة كان مواقف بعض الأحزاب الكردية السورية والتي هي جزء من المجلس الوطني الكردي حالياً، حيث اعتبروا أن الانتفاضة عبارة عن أعمال شغب وبرروا للنظام السوري أفعاله والطريقة الوحشية التي أخمد من خلالها الانتفاضة. وبعض الأحزاب تضامنت مع الانتفاضة الشعبية وتبنتها واتخذتها ميراًثاً لها للعمل السياسي فيما بعد.

وكان من أبرز نتائج الانتفاضة هو وضع النواة الأولى لتشكيل قوة عسكرية كردية في روج آفا وسوريا، حيث تشكلت مجموعات صغيرة من وحدات حماية الشعب YPG (الحالية)، وانتشرت بشكل سري في بعض مدن ومناطق روج آفا وقتها.

المجموعات والوحدات السرية التي تشكلت وقتها للدفاع عن الشعب الكردي في سوريا، تطورت بعد الاحتجاجات التي اندلعت في سوريا عام 2011 ليتم تشكيل وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة التي قادت ثورة 19 تموز عام 2012 ضد النظام البعثي وحررت المدن والمناطق الكردية من النظام.

ثورة 19 تموز إحدى ثمرات انتفاضة 12 آذار

بعد فشل المؤامرة التي استهدفت الشعب الكردي في 12 آذار عام 2004 استعاد الشعب الكردي ثقته بنفسه وبقوته التنظيمية والفكرية، وزاد هذه الثقة بالنفس وبالإرادة تشكيل وحدات حماية الشعب، وفي 19 تموز عام 2012 اندلعت شرارة الثورة الكردية في سوريا ليتم طرد النظام البعثي من المدن الكردية في روج آفا وشمال سوريا.

وبدأت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة بتحرير المدن الكردية من النظام وبدأ الشعب الكردي في سوريا وبالتعاون مع شعوب المنطقة بتنظيم أنفسهم وتشكيل المجالس والإدارات المحلية وفق مبدأ أخوة الشعوب والتعايش المشترك.

من انتفاضة 12 آذار إلى مشروع دمقرطة سوريا

وبعد تحرير روج آفا وشمال سوريا من النظام البعثي تم الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في عام 2014 ثم الإعلان عن الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا عام 2016 ليصبح النظام الذي تأسس في روج آفا وشمال سوريا النواة الأولى لإيجاد حل للأزمة السورية التي تعصف بالبلاد منذ 7 أعوام.

(د ج)

ANHA