الاتصال | من نحن
ANHA

 هذا هو سيناريو تقسيم سوريا

جهاد روج

مركز الأخبار – كثيراً ما يتم الحديث عن تقسيم سوريا، وكثيراً ما يتم اتهام الشعب الكردي ومكونات شمال سوريا بمحاولة تقسيم سوريا وإنشاء كيان أو ما إلى ذلك. لكن التقسيم الحقيقي لسوريا تقوده تركيا ومجموعات المعارضة المسلحة وبقايا مرتزقة داعش وجبهة النصرة بموافقة وبمباركة روسية وصمت من النظام الذي لا حول له ولا قوة.

قد يقول أحدهم أن هذا الكلام مبالغ فيه، أو بعيد عن الواقع أو غير صحيح، لكن دعونا نستذكر معاً بعض الأحداث التي جرت في سوريا خلال سنوات الأزمة، والتي تثبت بأن سيناريو تقسيم سوريا تقوده تركيا وروسيا أمام صمت من النظام ومن يسمون أنفسهم معارضون سوريون ويتحدثون باسم الشعب السوري في المحافل الدولية.

الثورة السورية التي تحولت إلى أزمة معقدة الحل بدأت بانتفاضة شعبية سورية ضد حكم الاستبداد والطغيان في سوريا، اندلعت شرارتها من درعا وانتشرت شيئاً فشيئاً في عموم سوريا، بعد انطلاق الثورة بأيام عدة بدأ النظام السوري باستخدام العنف لتفريق المتظاهرين السلميين غير مبالٍ بالقوانين والقرارات الدولية التي تحظر استخدام العنف ضد المتظاهرين، رد فعل النظام دفع ببعض الضباط والجنود السوريين للانشقاق عن الجيش والوقوف إلى جانب المتظاهرين، وتشكل وقتها ما سمي بـ “لواء الضباط الأحرار” بقيادة حسين هرموش، أول ضابط انشق عن النظام وأول ضابط سلمته تركيا للنظام.

الدور التركي القذر في البداية

كانت تركيا من أبرز الدول التي استغلت هذا الوضع حيث افتتحت أراضيها لاستقبال الضباط المنشقين عن النظام لتأهيلهم وتسليحهم لمحاربة النظام السوري، وبدأت بتهيئة تنظيم إخوان المسلمين (الجناح السوري) لتسلم مقاليد الحكم في سوريا بعد إسقاط النظام، بعد أن ظنوا أن النظام في سوريا سيسقط مثلما حدث قبلها في تونس ومصر وليبيا … وتشكلت أطر المعارضة السورية التي غلب عليها الطابع الأخواني بدعم من تركيا.

لكن بعد أشهر قليلة سلمت تركيا الضابط حسين هرموش للنظام السوري في صفقة “قذرة” لم يتكلف من سموا أنفسهم معارضون سوريون بمحاولة معرفة أبعاد هذه الصفقة.

وتدخلت تركيا في تشكيلات المعارضة السورية التي تجمعت في اسطنبول، كما تدخلت في مجموعات المعارضة التي سلحتها تركيا قبل الجميع لتنفذ أهدافها ومصالحها في سوريا.

وبدعم عسكري من تركيا ومالي من قطر والسعودية تشكلت المعارضة السورية المسلحة تارة تحت مسمى “لواء الضباط الأحرار” وأخرى تحت مسمى “الجيش الحر” وآخرها مرتزقة “درع الفرات” التابعة لتركيا بكل شيء.

عندما اكتشف النظام السوري هذه اللعبة التركية، لم يتدخل لفضحها أو إيقافها بل استغل الفرصة وأطلق سراح الآلاف من الموقوفين في سجونها من الإسلاميين المتطرفين لتصبغ المعارضة المسلحة بصبغة إسلامية متطرفة تهيئة لإطلاق المجتمع الدولي صفة الارهاب عليها، وبالفعل تشكلت المجموعات الإسلامية المتطرفة مثل النصرة وداعش وبقية الحركات المتطرفة المدعومة من تركيا وسيطرت هذه المجموعات على مساحات واسعة من الأراضي السورية، وأطلق المجتمع الدولي صفة الارهاب عليها ليشرعن للنظام محاربتها بحجة “مكافحة الإرهاب”.

في تلك الفترة تلقى النظام السوري الدعم السياسي والعسكري واللوجستي من روسيا وإيران وحزب الله ومجموعات عراقية وأفغانية شيعية تحت مسميات مختلفة، وتحولت سوريا باستثناء الشمال (روج آفا) إلى ساحة صراعات طائفية عرقية دينية مذهبية أمام أنظار تركيا وروسيا اللتان عملتا على ذلك وهيأتا الأرضية لدمار وخراب سوريا لتتدخلا في النهاية لقطف ثمار الدمار والخراب من خلال الاستثمارات التي سيحصلون عليها فيما بعد لإعادة إعمار سوريا.

كل ذلك جرى أمام صمت المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تستطع التدخل بشكل مباشر في الأزمة بسبب عدم وجود بديل لنظام الأسد، وضمان عدم سيطرة أي تنظيم اسلامي متطرف على السلطة في البلاد، علماً أنها حاولت دعم مجموعات من المعارضة وسلحتها لكنها سرعان ما كشفت عن وجهها الحقيقي وباعت الأسلحة الأمريكية للتنظيمات المتطرفة، فبقيت الولايات المتحدة في موقف المتفرج إلى أن وجدت البديل في وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، فبدأت بدعمها لمحاربة تنظيم داعش الارهابي.

تركيا الوحيدة القادرة على القضاء على الجماعات المسلحة في سوريا

بعد سنوات من الحرب في سوريا وتهيئة البلاد لتكون منطقة مصالح ونفوذ للقوى الخارجية، وبعد إدراك روسيا أن تركيا هي المتحكم الوحيد بالمجموعات المسلحة في سوريا، حاولت كسبها إلى جانبها في سوريا وإبعادها عن الغرب وحلف الناتو، مستغلة التوترات التركية – الأوروبية الأمريكية نتيجة سياسة حزب العدالة والتنمية، لأن روسيا تدرك أن تركيا هي الوحيدة القادرة على تصفية مجموعات المعارضة المسلحة، إن سيطرت على إرادة تركيا.

لذا بدأت روسيا برسم مخطط انتشال تركيا من الحلف الأوروبي والأمريكي وكسبها في الطرف الروسي بسبب قدرتها على التأثير المباشر على مسار الأزمة في سوريا لأنها أحد مسببات هذه الأزمة.

روسيا تجبر تركيا على الركوع

ورطت روسيا الأتراك بإسقاط الطائرة الروسية 24 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، لكن قبيل الحادثة وبالتحديد في 3 تشرين الأول/أكتوبر، كانت وزارة الخارجية التركية قد أعلنت بأن القوات الجوية التركية اعترضت طائرة روسية اخترقت المجال الجوي التركي فوق ولاية هاتاي، وجرى الاعتراض بطائرتي إف-16، واتجهت الطائرة الروسية على أثر ذلك نحو الأجواء السورية. استدعت وزارة الخارجية التركية حينها السفير الروسي لإبلاغ احتجاجها وصرحت بأن روسيا ستكون مسؤولة عن أي حوادث قد تقع في المستقبل. واعترفت وزارة الدفاع الروسية بوقوع الاختراق وقالت إن طائرة من نوع سوخوي سو- 30 اخترقت الأجواء التركية لبضع ثوان بسبب الطقس السيء. وكان هذا تمهيداً روسياً لكي تتورط تركيا وتسقط الطائرة الروسية، ووقعت حادثة إسقاط مقاتلة سوخوي الروسية عندما أطلقت قوات الدفاع الجوية التركية في 24 نوفمبر 2015 النار على مقاتلة روسية من طراز سوخوي سو-24 مما أدى إلى سقوطها قرب الحدود السورية التركية. وكانت هذه أول نقطة ضعف لتركيا أمام روسيا.

أما النقطة الثانية التي جعلت تركيا ترضخ أكثر لروسيا فكانت قضية مقتل السفير الروسي في تركيا حيث قُتل السفير الروسي أندريه كارلوف في تركيا بالرصاص الحي وعلى شاشات التلفزة في يوم الاثنين 19كانون الأول/ديسمبر 2016، في هجوم مسلح وقع في أنقرة، بعد أن قام رجل مسلح بفتح النار عليه، بينما كان يزور معرضاً فنياً في العاصمة التركية أنقرة، والملفت في الأمر أن القاتل كان سابقاً من أفراد عناصر الحماية الشخصية للرئيس التركي أردوغان، وكانت هذه الحادثة الثانية التي ضمنت من خلالها روسيا أن تركيا ستركع على بساطها، ناهيك عن الدعم الروسي السري أو العلني لتركيا في ما سمتها تركيا “محاولة الانقلاب الفاشل”، لتكسب روسيا بذلك الولاء التركي لها دون قيد أو شرط.

إلى جانب ذلك كانت التناقضات والخلافات تتزايد بين تركيا والغرب وخاصة الولايات المتحدة بسبب دعم الأخيرة لقوات سوريا الديمقراطية، وتهيأت الظروف بشكل كامل لتنقلب تركيا من الحلف الغربي إلى الحلف الروسي. وهذه الأحداث كانت كفيلة بأن ترضخ تركيا للروس بشكل كامل.

ما هو المخطط الروسي ؟

ممارسات روسيا في سوريا تدل على أنها تريد سوريا منطقة مصالح ونفوذ روسية إلى أجل غير مسمى ولا ضير في تقسيم سوريا طالما أن ذلك يصب في مصلحة روسيا بالدرجة الأولى لأن الولايات المتحدة كانت قد تدخلت في شرق الفرات لمحاربة تنظيم داعش الارهابي، وضمنت بقائها في شرق الفرات مستقبلاً بالاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية على أمل أن تضع حداً للنفوذ الإيراني في سوريا.

لذا كان المخطط الروسي هو الحفاظ على مناطق غرب الفرات كمنطقة نفوذ روسية لتنفيذ مصالحها مستقبلاً، مع منح بعض الجيوب والمناطق لتركيا والتي تضمن بذلك وضع حد  لطموحات الكرد ومكونات شمال سوريا بوصل كوباني بعفرين. فتم الاتفاق مع تركيا على منح جرابلس والباب وإعزاز وعفرين لها مقابل الحصول على بقية المناطق التي كانت تحت سيطرة مجموعات المعارضة المسلحة التابعة لتركيا، وسط عدم قدرة الولايات المتحدة التدخل في غرب الفرات بسبب الاتفاق الروسي الأمريكي على تقاسم النفوذ شرق وغرب الفرات.

وكانت روسيا قد ضمنت خضوع تركيا لها، لذا بدأت وبمساعدة تركيا بإفراغ حلب من مجموعات المعارضة المسلحة الموالية لتركيا وسلمتها للنظام، وكذلك بعض الأحياء والمناطق في دمشق أو بالقرب منها مثل داريا والقلمون …

واستطاعت تركيا تطهير هذه المناطق من المجموعات المسلحة وتقديمها للنظام وروسيا على طبق من ذهب، وكذلك فرض مناطق تصعيد ووقف إطلاق النار في بعض المناطق الأخرى خلال اجتماعات آستانا، وتفرغت روسيا وقوات النظام لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي وسط البلاد وصولاً إلى دير الزور، لتسبق الولايات المتحدة والتحالف الدولي في تحرير هذه المناطق وتضمن عدم تدخل التحالف وأمريكا في غرب الفرات من ناحية دير الزور، لأن الولايات المتحدة كانت تطمح إلى السيطرة على الشريط الحدودي الجنوبي لسوريا مع العراق عبر “جيش سوريا الجديد” المتمركز في منطقة التنف، لتضمن قطع الطريق أمام إيران للوصول إلى لبنان والبحر.

التقسيم حدث بتعاون تركيا مع الروس

وأصبحت سوريا وخاصة مناطق غرب الفرات مقسمة بين روسيا وتركيا وإيران، وبات الداعم الوحيد لما تسمى بالثورة السورية أحد أبرز عوامل تقسيم سوريا، أمام مرأى ومسمع من يسمون أنفسهم معارضين سوريين ويجلسون في حضن أردوغان الذي قسم سوريا وهو أبرز المدعين بحماية وحدة البلاد، مغتمناً فرصة أن الجالسين في حضنه من المعارضين لا تهمهم مصلحة سوريا أو شعبها بقدر ما تهمهم الرواتب والمصالح الشخصية التي تقدم لهم.

أصحاب هذا المخطط التقسيمي دائماً وأبداً يتهمون قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال سوريا بتقسيم البلاد وما زالت قوات سوريا الديمقراطية تقاوم في عفرين في سبيل إفشال مخطط التقسيم الروسي – التركي، ولا بد أن نعلم أن الإدارة الذاتية والكرد وحلفائهم من بقية المكونات في شمال سوريا هم الوحيدون الذين قدموا مشروع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وقدموا مشروع الفيدرالية الديمقراطية كحل للأزمة السورية، لأن الفيدرالية من شأنها أن تحفظ وحدة البلاد وتجعل من سوريا بلداً موحداً آمناً لجميع مكونات الشعب السوري، لأن كبرى دول العالم وأكثرها ديمقراطية وأماناً واستقراراً هي البلدان ذات الأنظمة الفيدرالية.

(   )

ANHA