الاتصال | من نحن
ANHA

الأزمة السورية .. مطالب شعبية سرقتها مصالح دول إقليمية -2

جهود غير مثمرة وشعوب تؤسس لنظام ديمقراطي

يحيى الحبيب

قامشلو – تعددت الأطراف المتدخلة في الأزمة السورية، واختلفت مصالحها، والتقت هذه المصالح أحياناً وتضاربت أحياناً أخرى، فيما النظام بات تابعاً لروسيا وإيران لا حول ولا قوة له، أما المعارضة فباتت أداة لتنفيذ الأجندة التركية وورقة يمكن المقايضة عليها متى شاءت تركيا، ووحدهم شعوب الشمال السوري حرروا مناطقهم من الإرهاب وأسسوا لنظام ديمقراطي يحقق للجميع حقوقه دون إقصاء.

ومنذ أن تعقدت الأزمة السورية بفعل التدخلات الخارجية، رأت كافة الأطراف أن سوريا “كعكة” وتهافتوا عليها لتقسيمها، وسعى كل طرف للحصول على الحصة الأكبر، فبدأوا بعقد الاجتماعات من أجل تقسيم هذه الكعكة فيما بينهم، ولكن تضارب مصالح هذه الأطراف وسعي كل طرف لنيل الحصة الأكبر وإفشال مخطط الطرف الآخر، جعل من كل الاجتماعات مضيعة للوقت ومسببة إراقة لدماء المزيد من السوريين.

المبادرات الدولية لحل الأزمة السورية

وتعددت المبادرات الدولية بشأن التسوية السياسية للصراع في سوريا دون أن تسفر أياً منها عن حلٍ سياسيٍ، ومن ثم فإن بقاء الصراع واستمراره حتى تتبلور وتنضج عوامل التسوية السياسية أصبح أمراً واقعاً يعكسه تعامل القوى الكبرى مع الأزمة.

ولعل تطور مبادرات التسوية لم يكن يعبر عن نمط واحد من أنماط التعامل الدولي مع الأزمة السورية منذ اندلاعها، بل كان معبراً عن تغير متصاعد في مواقف تلك الدول من مسببات الصراع وفي مقدمتها معضلة بقاء نظام بشار الأسد من عدمها، بدءاً من المطالبة بتخليه عن السلطة ونهاية بقبول بقائه في أي مرحلة انتقالية محتملة تحت مبررات اعتباره “شريكاً في محاربة الإرهاب”، وعدم توفر البديل بالنظر إلى تشتت المعارضة وتشرذمها واختلاف مرجعيتها الإقليمية، بالإضافة إلى انقسام رؤيتها السياسية حول عملية الانتقال السياسي نفسها.

وعكست هذه التغيرات تمدد وانتشار مرتزقة “داعش”  داخل الأراضي السورية منذ أيار/مايو 2014، وسيطرته على مساحات واسعة فيها وتحديداً محافظة الرقة وتدميره لمدينة تدمر الأثرية، بالإضافة لتمدده في مناطق تمركزه في العراق وبالقرب من الحدود السورية مما شكل جسراً برياً للتواصل بين عناصره في العراق وسوريا، الأمر الذى رفع من أسهم الاختيار الأمريكي الأوروبي بين تداعيات استمرار بقاء بشار الأسد في السلطة، وبين تداعيات تمدد داعش وصولاً إلى فكرة أن محاربة الأخير لن تأتي بثمارها إلا بإشراك النظام، أي أصبح ثمة شبه إجماع دولي على أن الإطاحة بنظام الأسد لا يجب أن يقابلها انتصار التنظيمات الإرهابية وتحديداً داعش وجبهة النُصرة.

جهود عربية غير مثمرة…

مبادرات عدة فشلت في التوصل إلى حل للنزاع السوري الدامي على مدى سنوات, ففي عام 2012 وبعد شهرين من فشل أول مبادرة عربية تنص على وقف العنف والإفراج عن المعتقلين وسحب الجيش من المدن، أقر وزراء الخارجية العرب مبادرة جديدة تدعو لنقل سلطات بشار الأسد إلى نائبه وحكومة وحدة وطنية لكن النظام رفض هذه الخطة، وبعدها لم يعد هناك تأثير للدول العربية التي انشغلت بالأزمات التي تعيشها بلادها نتيجة تشابه الذهنية التي تديرها البلدان العربية.

جنيف وجولاته الـ8 .. محاولات وجهود فاشلة

لم تتمكن محادثات جنيف الذي انهت حتى الآن 9 جولات من الوصول إلى نتائج ملموسة حتى الآن رغم أن كل جولة تنتهي بجملة من القرارات لا تطبق على أرض الواقع. حيث بدأت الجولة الأولى في 30 حزيران 2012 بناء على دعوة المبعوث الأممي إلى سوريا كوفي عنان ومجموعة العمل من أجل سوريا، ولكنها فشلت لعدة أسباب أهمها عدم دعوة ممثلي الشعب السوري واختلاف الأطراف المعنية بالأزمة على تفسير بنود الاتفاق وخصوصاً مصير الأسد.

أما الجولة الثانية من جنيف التي انطلقت في 20 كانون الثاني 2014، فتم فيها تغيير المبعوث الدولي إلى سوريا كوفي عنان وتعيين الأخضر الابراهيمي بدلاً منه، ولكن في هذه الجولة أيضاً تم تغييب الممثلين الحقيقيين للشعب السوري وعلى رأسهم الكرد الذين أعلنوا الإدارة الذاتية في الشمال السوري قبل الاجتماع بيوم واحد، تلبيةً لرغبات تركيا التي كانت اللاعب الأول والأساسي في تفاقم الأزمة السورية عبر ضخ الأموال والرعاية وفتح حدودها للمجموعات المرتزقة والمسلحة لذلك فشلت أيضاً.

وفي الجولة الثالثة تم تغيير المبعوث الدولي مجدداً وعين ستيفان دي مستورا بدلاً عن الابراهيمي، وسبق هذه الجولة التدخل الروسي ما أدى إلى تغير موازين القوى على الأرض لصالح النظام، لذا سارعت تركيا والسعودية وقطر لتشكيل وفد بعد الاجتماع الذي عُقد في مدينة الرياض السعودية في 10 كانون الأول 2015 برعاية تركية وسعودية وقطرية، وأطلق عليه اسم “الهيئة العليا للتفاوض” بقيادة أسعد الزعبي، وتعيين القيادي في مرتزقة جيش الفتح محمد علوش ككبير المفاوضين, وغيب أيضاً ممثلو الشعب من الجولة الثالثة التي عقدت في الفترة ما بين 29 كانون الثاني و3 شباط 2016 وفشلت هذه الجولة أيضاً.

فيما تم الاتفاق في الجولة الرابعة (23 شباط – 3 آذار 2017) على 4 سلال متعلقة بـ “إنشاء حكم غير طائفي، جدول زمني لوضع مسودة دستور جديد، إجراء انتخابات نزيهة، ووضع استراتيجية مكافحة الإرهاب وبناء إجراءات للثقة المتوسطة الأمد”. إلا أن أياً من هذه المواضيع لم يتم تطبيقها رغم مرور المدة التي تم تحديدها بـ 6 أشهر.

وبدأت الجولة الـ 5، بلقاءات تمهيدية في 23 آذار، واجتماعات رسمية في 24 آذار بحضور نفس الأطراف التي شاركت في الجولات السابقة وتغييب الأطراف الفعلية. ونوقشت خلال 8 أيام المواضيع الأربعة الرئيسية لجدول الأعمال، وتشمل الحكم والدستور ومكافحة الإرهاب والانتخابات، كما قدم كل طرف للمبعوث الأممي رؤيته بشأن السلال الأربع التي تمخضت عنها الجولة الرابعة.

وعقدت الجولة السادسة من جنيف في 16 أيار 2017 بمشاركة نفس الوجوه، ولكن هذه الجولة اختلفت عن سابقاتها بإجراء المبعوث الأممي لقاءات غير مباشرة بين ممثلي النظام وما يسمى المعارضة. ولم يعول الشعب السوري على أن تخرج هذه الجولة بنتائج منذ بدايتها، واعتبروها من أكثر الجولات التي تبدأ بسقف توقعات منخفض.

الجولة السابعة من جنيف عقدت في الـ 11 من تموز 2017 بمشاركة نفس الأطراف (النظام، المعارضة المحسوبة على الخارج) وتم في هذه الجولة أيضاً تغييب ممثلي الشعب السوري الحقيقيين، ولم يكن في يد المبعوث الأممي جدول أعمال ليعرضه على الأطراف السورية.

ودارت الحوارات 4 أيام في دائرة مفرغة، فمع وفد الحكومة السورية، ناقش الفريق الأممي ملف مكافحة الإرهاب ذو الأولوية بالنسبة لهذا الوفد، ومع وفد ما يسمى الهيئة العليا للمفاوضات تمت مناقشة ملف الانتقال السياسي، كما تم مناقشة خليط من السلال الأربعة مع منصتي موسكو والقاهرة. الأوساط الأممية أصيبت بخيبة أمل من هذه الجولة، حتى المشاركين من الوفود المختلفة أوضحوا بأن هذه الجولة كانت مضيعة للوقت.

وفي الجولة الثامنة (28 تشرين الثاني – 14 كانون الأول 2017)، أعلن المبعوث الدولي صراحة عن فشلها قائلاً “لم نجر مفاوضات حقيقية ولم أرى الحكومة تسعى حقيقة للحوار، هذا مؤسف”، واصفاً ما حدث بأنه “إضاعة فرصة ذهبية”. مشيراً إلى أن وفد النظام اشترط سحب بيان “الرياض-2” مقابل دخوله في مفاوضات مباشرة مع “هيئة التفاوض السورية”.

وفي الجولة التاسعة التي عقدت في فيينا النمساوية في 25 كانون الثاني 2018، انتهى الاجتماع دون الوصول إلى أية نتيجة.

آستانة .. زيادة في التصعيد وبحث عن المصالح

على مدار، عام كامل، عقدت 8 جولات من اجتماعات آستانا فيما يخص الأزمة السورية, انطلقت أول واحدة منها في 23 كانون الثاني 2017 وآخرها (الثامنة) في 21 كانون الأول 2017، ولكن هذه الجولات لم تأتي بحل لمعاناة السوريين ولكنها على العكس من ذلك سعت لتحقيق مصالح كل من روسيا وتركيا وإيران وشرعنت الاحتلال والتدخل عبر إقرار مناطق خفض التصعيد.

وبموجب هذا الاتفاق، تقتسم كل من تركيا، روسيا وإيران الكعكة السورية فيما بينها، وفي بعض الأحيان تلتقي مصالح هذه الأطراف معاً، وفي بعضها الآخر تتعارض، ففي محافظة إدلب التقت مصالح كل من تركيا وروسيا وإيران، فتركيا كانت تريد احتلال المحافظة كي تستطيع محاصرة عفرين بشكل أكبر بعد أن كانت احتلت مناطق إعزاز والباب، وروسيا كانت تريد كسب الوقت من أجل القضاء على داعش في دير الزور، بينما إيران كان يروق لها توقف القتال في تلك المنطقة لتوجه مجموعاتها المسلحة إلى البادية السورية وتسيطر على البوكمال للإبقاء على الخط البري الواصل بين طهران ودمشق وبيروت لإنعاش أمالها في تطبيق مخططها بالهلال الشيعي.

ونتيجة تلاقي هذه المصالح احتلت تركيا أجزاء من إدلب وتمركزت على طول الحدود مع مقاطعة عفرين وبذلك باتت تحاصرها من 3 جهات (جهة إدلب، جهة إعزاز والباب والحدود التركية)، فيما أخذت روسيا وإيران متسعاً من الوقت حتى القضاء على داعش، ولكن في نهاية عام 2017 تضاربت مصالح الأطراف الثلاثة، إذ أن روسيا وإيران أنهتا مخططهما وتفرغتا إلى مرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) المدعومة من تركيا وبدأوا في أواخر شهر تشرين الثاني 2017 بشن هجوم موسع كبير عليها استطاعوا خلالها السيطرة على العشرات من القرى والبلدات الاستراتيجية في ريف إدلب بينها مطار أبو الضهور العسكري.

كما تستمر الاشتباكات في الغوطة الشرقية لدمشق أيضاً ومناطق خفض التصعيد الأخرى، بناء على توافقات روسية تركية لتصفية المجموعات المرتزقة التي تؤرق روسيا من أجل تمكين نظام البعث في البقاء بالسلطة والقضاء على كل خصومه وإجبارهم على قبول الحل الذي تفصله روسيا بما يتناسب مع مصالحها، مقابل السماح لتركيا بالقضاء على الكرد في سوريا.

سوتشي وفشل روسي في الحل السياسي

وعقد مؤتمر سوتشي للحوار السوري في 30 كانون الثاني 2018 وسط مقاطعة غربية وعدد من الأحزاب والكيانات السياسية الفاعلة على الساحة السورية وحضور عدد من ممثلي المجموعات المرتزقة وممثلي النظام.

وجاء انعقاد المؤتمر مع العدوان التركي على عفرين  مما أدى إلى انتهائه دون تحقيق أي نتائج تذكر، ووصف مراقبون المؤتمر بأنه فشل دبلوماسي روسي في إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، حيث اقتصر على الكلمات الرنانة والتصفيق.

شعوب الشمال السوري تؤسس لنظام ديمقراطي

الشعب السوري الذي عقد آماله على مجموعات تطلق على نفسها المعارضة وسلمت قرارها للقوى الإقليمية، عانى المآسي نتيجة الحرب والدمار والحصار، ولم تستطع كل هذه الاجتماعات التي شارك فيها من يطلقون على أنفسهم المعارضة، أن تجد حلاً للأزمة التي يعيشها هذا الشعب. ولكن وحدهم شعوب الشمال السوري لم يرتهنوا للقوى الخارجية، بل عملوا على أرض الواقع وشكلوا مؤسساتهم التي تدير المنطقة.

هذه الشعوب وبإمكاناتها الذاتية شكلت قوات عسكرية تتخذ من مبدأ الدفاع المشروع أساساً لها، ودافعت عن أراضيها بوجه هجمات مرتزقة داعش وجبهة النصرة ومرتزقة تركيا، وحررت مساحات شاسعة من الإرهاب، ومن بين المناطق المحررة مدينة الرقة التي أعلنها داعش عاصمة لخلافته المزعومة وذلك في 17 تشرين الأول 2017، بعد أن كانت حررت كري سبي/تل أبيض، منبج، الطبقة، الشدادي، الهول وتستمر الآن بتحرير ريف دير الزور الشرقي.

ولم تحقق شعوب الشمال السوري انتصارات عسكرية فقط، بل تزامنت هذه الانتصارات مع عمل مؤسساتي مكثف تم خلاله إنشاء إدارات ذاتية للمناطق المحررة تشارك فيها كافة شعوب تلك المنطقة ووضعت قوانين تنظيم كافة مفاصل الحياة بناء على التنوع السكاني وخصوصية كل منطقة.

وفي 16 – 17 آذار/مارس 2016، خطت شعوب الشمال السوري خطوة جديدة على طريق الديمقراطية، عبر اختيارها نظام الفدرالية الديمقراطية كنظام لإدارة الشمال السوري. ووضعت العقد الاجتماعي لمناطق الفدرالية الديمقراطية لشمال سوريا وقررت منتصف عام 2017 إجراء الانتخابات على 3 مراحل أجريت الأولى (انتخابات الكومينات التي تعتبر أساس هذا النظام) في 22 أيلول/سبتمبر 2017، والجولة الثانية لانتخابات مجالس البلدات والنواحي والمقاطعات في الأول من تشرين الثاني 2017، ويجري حالياً التحضير لانتخابات مؤتمر الشعوب الديمقراطي الذي من المقرر أن يجرى خلال الفترة القادمة.

تركيا تهاجم المشروع الديمقراطي في الشمال السوري

وفي ظل ما حققته شعوب الشمال السوري من مكتسبات وخطوات عملية على طريق الديمقراطية وبدء الحديث عن الإنماء والإعمار، سعت تركيا للقضاء على هذا النموذج الديمقراطي فبدأت منذ 20 كانون الثاني 2018 بشن هجوم على عفرين ما زال مستمراً حتى الآن، تريد من وراءه تركيا القضاء على الوجود الكردي في سوريا وعدم نيلهم لحقوقهم المشروعة.

وكي تحقق تركيا هدفها بالقضاء على الوجود الكردي في شمال سوريا، كان لا بد لها أن تقدم تنازلات أيضاً، إذ يتم الآن تصفية مرتزقة تركيا في الغوطة الشرقية من قبل روسيا مقابل السماح لها بشن عدوانها على عفرين، وإذا انتهت روسيا من الغوطة الشرقية التي تستمر فيها العمليات العسكرية منذ 18 شباط 2018، فإن وجهتها الجديدة ستكون إدلب الخاضعة لسيطرة مرتزقة تركيا، وستتكرر تجربة حلب فيها أيضاً بعد الغوطة الشرقية، وبذلك تكون روسيا قضت نهائياً على كل المسلحين السوريين الذين يقولون بأنهم مناوئين للنظام، وذلك بمساعدة تركيا.

(ح)

ANHA