الاتصال | من نحن
ANHA

فرن الطين.. صديق مواطني غزة لمجابهة أزمة الكهرباء

عمر موسى

غزة – في مخيم جباليا شمالي شرقي مدينة غزة، بدأت أم نصر تجهز عجينها وتدلكه بيدها، في حين ابنتها دعاء الأكبر، تشعل النار في الفرن وهي تقول “متى رح تتحسن هذه الحياة”، إذ عاودت الوالدة أم نصر عودة، ترميم فرنها الطيني المتهالك من جديد، الذي مضى على تركه سنوات، بسبب التطور الحياتي، لكن، أزمة الكهرباء المستمرة في قطاع غزة، أجبرتها، على إعادة إحيائه، لتستعمله في تسيير شؤون منزلها، التي جمدتها الأزمة.

وتعد أفران الطين، من التراث الفلسطيني القديم، وتركها المواطنون منذ سنوات، لكن ضيق الخيارات أمام مواجهة أزمة الكهرباء المستمرة التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم ولا تصل للبيوت في أفضل الأحوال سوى 4 ساعات، ولا يتمكن الأهالي خلال هذه المدة القصيرة غير المنتظمة من استكمال أعمال البيت وقضاء حوائج العائلة، الأمر الذي دفعهم لإعادة بناء واستعمال هذه الأفران للتمكن من إعداد طعام وخبز اليوم، لأبنائهم، ومحاولة التأقلم مع الوضع الراهن.

وتقول الوالدة أم نصر، وهي تستعد  لوضع الرغيف الأول في الفرن ” يا ابني، الكهربا ما بنلحق نشوفها إلا هي قاطعة طيب كيف بدنا نطبخ ونخبز، وغير هيك ووضعنا ما بسمحلنا نشترى خبز جاهز من المخابز، وفوق كل هذا، سعر أسطوانة الغاز مرتفع قياساً بوضعنا البسيط”.

الأمر الآخر الذي، دفع العوائل الفقيرة، للعودة إلى هذه الأفران، هو الوضع المادي السيء، إذ لا تستطيع هذه العوائل توفير سعر أسطوانة الغاز المرتفعة، والتي تصل إلى 19 دولار، فاضطروا لتشغيل هذه الأفران التي لا تحتاج سوى، الخشب الذي يمكن توفيره من أي مكان بلا تكلفة.

وقابل الكثير من الأهالي، عودة هذه الأفران للحياة، بترحيب، إذ يجدون فيها تخفيفاً لمعاناتهم المستمرة، ومن زاوية أخرى أعادت هذه الأفران لما تحمل من ذكريات، عابقة برائحة التاريخ، زمن اللحمة الاجتماعية بين العائلات، فمن المعروف قديماً أنه لا يتم استعمال هذا الفرن من ناحية عائلة واحدة، بل يبلغون الجيران، بموعد احماءه واشعاله، ليجهزوا عجينهم أو طعامهم، وطهوه في الفرن، فالجارة أم لؤي علمت أن أم نصر، أشعلت فرنها، فتهيأت، للذهاب ومشاركة جارتها أعمالها.

وصلت أم لؤي وجلست بجوار جارتها، وراحت تساعداها في عملها، وفي خضم ذلك، استذكرت أم لؤي البالغة من العمر 50 عاماً،  الأحداث التي حصلت قبل أكثر من 39 عاماً بين الجدات وسيدات المخيم اللاتي كن يسكن فيه، فتقول “يا إلهي .. على الذكريات يا جارة، لكن للأسف زمان كنا كثير فرحين، ونعيش بشكل أقل تعقيداً من اليوم”.

وتكمل السيدة حديثها بعفوية “رغم الأسى الذي نعيشه جراء هذه الأزمة وضيق العيش، إلا أنها أعادت لنا شيئاً جميلاً وهو الترابط الاجتماعي، وأجواء الألفة التي كانت  تنفثها مدخنة  فرن الطين”.

ولصنع فرن طين، لا يحتاج أكثر من مزج كمية من الطين والرمال معاً، ثم صانع ماهر ينفذ البناء المتقوس الذي تقوم عليه تقنية بناء تلك الأفران، وبعد ذلك يُترك الفرن ليجف تماما قبل أن يتسنى تشغيله في تسوية الخبز واستخدامات أخرى مثل طهي الطعام وما إلى ذلك.

أزمة كهرباء غزة تنفث الروح  في مهنة كانت في عداد الأموات

يشرح أبو بسام الحلو 55 عاماً، المتخصص بصناعة هذه الأفران وهو يغرز يده في جبلّة الطين والقش، عن طريقة إعداده التي تعد من التراث الفلسطيني، وورثها هو عن والده الذي كان معروفاً بـ “صانع الأفران”. يقول أبو بسام “طريقته سهلة ومعقدة في ذات الوقت، إذ نفرش بداية الطين المبلول مع قليل من القش الخشن،  والرمل  ويتم تشكيل القاعدة، ثم تترك بعدها لتجف، ومن بعد ذلك، نستكمل البناء”.

ويضيف أبو بسام “بعد أن تجف القاعدة، نبدأ بتشكيل الطين وفق الشكل المحدد، بالتواءته وتقوساته، كي تتوزع الحرارة بشكل متساو”.

ويتابع “كنت متوقفاً منذ مدة عن صنع هذه الأفران، بسب قلة الإقبال عليها، لكن الآن، هناك إقبال شديد، وهو الأمر الذي ساعدني أيضاً أن أوفر مصروف بيتي”.

ويعاني قطاع غزة من أزمة كهرباء حادة، منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، إذ يحتاج القطاع لما يزيد عن 500  ميغا وات يومياً، لكنه لا يتم توفير سوى أقل من ربع هذه الكمية، فمحطة التوليد الوحيدة في القطاع، تعمل في أفضل الأحول بمولدين  قدرتهما 50 ميغا وات، فيما توفر الخطوط الخارجية عبر الجانب الإسرائيلي والمصري 75 ميغا واط، ويعني في مجمل الأمر أن الكمية التي يتم توفيرها، لا تقفز عن 145 ميغا وات، وهي التي لا تسد ربع احتياجات القطاع، وفي غضون هذه الأزمة، لا توجد أي بادرة أمل من المسؤولين لتحسينها أو وضع خطة لتطويرها.

(ح)

ANHA